محمد بن جرير الطبري
368
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ولئن شنت الغارات ، وشب ضرام الحرب ، ودارت رحاها على قطبها ، وحسمت الصوارم أوصال حماتها ، واستجرت العوالي من نهمها ، ودعيت نزال ، والتحم الابطال ، وكلحت الحرب عن أنيابها أشداقها ، والقت للتجرد عنها قناعها ، واختلفت أعناق الخيل ، وزحف أهل النجده إلى أهل البغى ، لتعلمن اى الفريقين اسمح بالموت نفسا ، وأشد عند اللقاء بطشا ، ولات حين معذره ، ولا قبول فديه ! وقد اعذر من انذر ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ! فبلغ كتاب محمد بن عبد الله الأتراك ، فكتبوا جواب كتابه : ان شخص الباطل تصور لك في صوره الحق ، فتخيل لك الغى رشدا كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ، ولو راجعت عزوب عقلك أنار لك برهان البصيرة ، وحسم عنك مواد الشبهة ، لكن حصت عن سنه الحقيقة ، ونكصت على عقبيك لما ملك طباعك من دواعي الحيرة ، فكنت في الإصغاء لهتافه والتجرد إلى وروده كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران ولعمرك يا محمد ، لقد ورد وعدك لنا ووعيدك إيانا ، فلم يدننا منك ، ولم ينئنا عنك ، إذ كان فحص اليقين قد كشف عن مكنون ضميرك ، والفاك كالمكتفى بالبرق نهجا ، إذا أضاء له مشى فيه ، وإذا اظلم عليه قام ولعمرك لئن اشتد في البغى شاوك ، ومتعت بصبابه من الأمل ليكونن امرك عليك غمه ، ولناتينك بجنود لا قبل لك بها ، ولنخرجنك منها ذليلا ، وأنت من الصاغرين ولولا انتظارنا كتاب أمير المؤمنين باعلامنا ما نعمل في شاكلته ، بلغنا بالسياط النياط ، وغمدنا السيوف وهي كاله ، وجعلنا عاليها سافلها ، وجعلناها مأوى الظلمان والحيات والبوم ، وقد ناديناك من كثب ، وأسمعناك ان كنت حيا ، فان تجب تفلح ، وان تاب الا غيا نخزك به ، وعما قليل لتصبحن نادمين .